لقد أصبح من الواضح لأي مراقب لقطاع شركات النفط الوطنيه في العالم عامه وفي العالم العربي خاصه انها ايقنت بضرورة ترك مفهوم الشركات الوطنبه وملكية وحماية الدولة الضيّق خلفها وتتبنت أساليب جديده تستفيد بموجبها من وضعها كشركة وطنيه لتنافس الشركات العالميه سواء كانت هذه المنافسه وطنيه, اقليميه او عالميه. وقد اختلفت هذه الشركات حسب تصنيفات السوق وتوزعت الى مجموعات اشتركت كل مجموعة منها بمواصفات حددتها ظروف سياسية واجتماعية عديده. ومن اهم هذه العوامل التي صنفت الشركات بموجبها مقدرتها على مواجهة تحديات التوسع في انتشار نشاطاتها وتنوع هذه النشاطات مع ما يفرضه ذلك التوسع من قدرة على تطوير أدارتها واليات عملها باسلوب اقتصادي فعّال يضمن النزاهه والشفافيه ومقومات الاداره الحكيمه. وقد كانت بعض هذه الشركات في السابق تعتبر نفسها بعيدة عن مخاطر السوق كونها تعتبر نفسها الوصي الشرعي على ثروات البلد وأن هذه الثروه غير قابله للزوال وانها تستطيع دائما البقاء قويّة وابقاء المسؤولين في الدوله راضين عن أدائها. الا ان التقلبات التي حصلت على اسعار النفط العالميه في السنوات الخمس الاخيره جعلت هذه الشركات تفتح عيونها حولها وتبدا العمل على التحرك بثلاث محاور للمحافظة على مستوى دخلها وتأمين الوطن باحتياجاته المتزايده للطاقه. اول هذه المحاور كان البحث عن مناطق امتياز جديده خارج حدود الوطن, حيث قامت اكثر من مائة شركه وطنيه في العالم على البدء بعمليات خارج حدود وطنها الام, والمحور الثاني تمثل بالتوسع الافقي, أي بتنويع نشاطاتها والدخول بمجالات انتاجية جديده بهدف ضمان اسواق دائمه لمنتجاتها ولتحمي نفسها من تقلبات الاسعار, وأما المحور الثالث فقد كان استراتيجيا بمعنى تطوير استخدام ميزاتها الوطنيه بطرق جديده. مثل التفاوض مع شركات عالميه وبيع جزء من رأسمالها لهذه الشركات مما ادى الى دخولها العالميه مستفيدة من ميزاتها الوطنيه مما اكسبها خبرات واسواق ومشاريع جديده زادت من قوتها وسيطرتها ووجودها.
ولتتمكن اي شركه من التوسع والاستفاده من المميزات الممنوحه لها من الدوله للوصول الى الاهداف الاستراتيجيه لها ضمن ظروف اسواق النفط العالميه المتقلبه والاقتصاديات المرعوبه فعليها ان تتفهم وتستغل عوامل هامه تتمثل اولا في الاستفادةمن الروابط السياسيه اولاقتصاديه للدوله مع الدول الاخرى للدخول الى اسواق هذه الدول والحصول على بعض الميزات التي تعطيها سبقا على الشركات الاجنبيه واستغلال خبراتها المتراكمه ومقدرتها الماليه للدخول بشراكه مثمره في تلك الدول واما العامل الثاني فهو البحث عن شريك استراتيجي تتعاون معه الشركه بمعنى تبادل جزء من المميزات المكتسبه بالخبرات ونقل التكنولوجيا والتدريب والعامل الثالث هو بالعمل على جلب الاستثمارات الخارجيه وتشجيعها عن طريق المشاركه المثمره للاستثمار في قطاعات الطاقه المختلفه في الوطن. والعامل الرابع والاهم والذي يمكن ان يساهم باحداث نقله نوعيه للشركه هواستغلال الظروف السياسيه وعدم انفتاح بعض الاسواق الاقليميه على الشركات العالميه للحصول على جزء مهم من العمل في تلك البلاد اخذة نسبة اعلى من المخاطره المحسوبه في هذا السياق. مستفيدة من كونها شركة وطنيه ومن شريكها الاستراتيجي والذي يفترض منه تقديم الدعم الفني لها وقد تلجاء احيانا الى الشراكة مع مستثمرين اخرين لتوفير الاموال اللازمه لهذه المشاريع.
وقد واجهت هذه الشركات في هذا المسعى بعض التحديات والعقبات التي توجب التعامل معها وترويضها. اولى هذه التحديات كان الموازنه بين تحقيق اهدافها الاقتصاديه مقابل اولوياتها الوطنيه كممثل لبلدها في البلد المضيف فالمطلوب منها ان تلعب دور الشركه العالميه والسفير في أن واحد مما يزيد صعوبة رسالتها بتحقيق اهداف اقتصادية واجتماعية لبلدها وفي نفس الوقت تحقيق ارباح مجزيه ترضي شريكها الاستراتيجي والمساهمين في رأس المال في شركات الملكيه المشتركه. ثاني هذه التحديات كان سياسات الشركه الداخليه والتي يرسمها عادة مجلس اداره معين من قبل الحكومات يضم في العاده موظفين دوله لا يرغبون بزج اسمائهم في مخاطرات ويفضلون الاعمال ذات النتائج الواضحه مسبقا والمضمونه وهذا نادر الوجود في قطاع النفط والغاز.
- من ناحية اخرى, فأن الشركات الوطنيه يمكن ان تصنف حسب اهدافها الى ثلاثة انواع. النوع الاول هي الشركات المالكه لحقول نفطيه وغازيه هامه وهذه الشركات تملك كل مقومات العالميه ولديها امكانات ماليه هائله تمكنت من استغلالها للوصول للعالميه لتحقيق اهداف محدده:
- تأمين اسواق جديده ودائمه لمنتجاتها
- تنويع نشاطاتها لمواجهه التراجع المحلي
- تخفيض وطأة تقلبات اسعار النفط
- التكامل مع اطراف الانتاج والاستهلاك لزيادة القيمه المضافه لمنتجاتها
ومن اوضح الامثله على هذا النوع من الشركات هي شركة ارامكو السعوديه
النوع الثاني من هذه الشركات هي الشركات الباحثه عن حقول نفط جديده, وهذه شركات انشأتها الدول التي لا تملك انتاجا نفطيا يغطي احتباجاتها التنمويه لتكون ذراع لها لتامين هذا النقص عن طريق الاستثمار بالتنقيب عن النفط في دول اخرى. ومن اشهر هذه الشركات شركة أو-ن-ج-س الهنديه والتي تعمل في اكثر من 15 دوله في العالم لتأمين النقص في احتياجات الهند النفطيه والبالغ 70% من حاجتها.بالاضافة للشركات الصينيه المعروف انتشارها عالميا.
وهناك نوع ثالث من الشركات الوطنيه وهي شركات التطوير المحليه التي ولدت من رحم مشاريع خصخصة القطاع الحكومي وهذا النوع من الشركات جاء نتاج اعوام طويله من العمل الحكومي في قطاع الطاقه. ومع رغبة الحكومات بالسير في ركب التطوير الاداري ورفع مستوى الاداء ورغبة في ابعاد هذا القطاع عن أثقال بيروقراطية الحكومات ولاعطاء هذا القطاع مجال اوسع للحركه جاء تكوين هذا النوع من الشركات. وهي تشترك بكونها وارثة لجزء كبير من الفكر البيروقراطي في الاداره وتحمل اعباء اظافيه وعيوبا وأثقالا تحد من حركتها مما ساهم في اطالة السنوات التي عملت فيها هذه الشركات ضمن النطاق الضيّق الذي ولدت به قبل ان تفتح عيونها وتدرك أن استمرارها بهذا الشكل مستحيل وان الحكومات التي شكلتها اصبحت تنظر اليها كبقرة بيضاء يتوجب التخلص منها.
وقد بدأت بعض هذه الشركات توسعها اقليميا دون ان تجرؤ حتى على التفكير بالعالميه الغير موجوده اصلا في قاموس ادارتها. ولتحقيق ذلك عملت على رفع سويّة عملياتها وكفاءة كوادرها لتتمكن من التماشي مع متطلبات هذا التوسع. ولكن ضعف امكانات هذه الشركات على الاستثمار وضعف الادارات فيها أدى تاريخيا الى ضعف امكانيات المنافسه والاستثمار لديها بل ان انتاجيتها من حقولها الاصليه تقلصت مما ابقاها بحاجة داثمه للتوجيه والدعم الحكومي.
بعض هذه الشركات ادركت حقيقة اوضاعها وعرفت كيف تتعامل مع مكتسباتها الوطنيه واستغلال هذه المكتسبات لاغراء شريك استراتيجي من الشركات العالميه للدخول معها ليمنحها الوسيله للتطوير والعالميه مقابل التنازل له عن جزء من مكتسباتها الوطنيه.
وهنا نجد ان هذا الوصف العام لهذا النوع من الشركات يكاد ينطبق بالكامل على شركة البترول الوطنيه. فهده الشركه جائت نتيجة لخصخصة مديرية التنقيب عن البترول في سلطة المصادر الطبيعه والتي يودعها الاردنيون هذه الايام بعد حللها منهية تاريخا طويلا من العمل الجاد والطموح لهذه السلطه بالتنقيب والتطوير لجميع الثروات المعدنيه بالاردن. واسمحو لي ان اخرج قليلا عن موضوعنا الرئيسي لنقدم الشكر والعرفان لسلطة المصادر الطبيعيه مؤسسة ورجالا وتاريخا على كل ما قدمته للاردن فمن رحمها خرجت العديد من الشركات التي ساهمت وتساهم الى اليوم برفد الاقتصاد الوطني.
ونعود الى شركة البترول التي ورثت تلك المديريه بكل أعبائها ولكنها ايضا ورثت نتاج سنوات عديده من التنقيب عن النفط والغاز في الاردن. وورثت حقلا غازيا منتجا اخذت امتيازه الدائم.
واليوم لن احاول تقييم ما توصلت له الشركه خلال اكثر من عشرة سنوات على تشكيلها فهو يكاد لا يذكر بل ان انتاج الغاز قد هبط بما يزيد عن 50% من الانتاج الاصلى يوم تكوينها. ولكني بدأت هذا العرض للشركات الوطنيه ومسعاها للعالميه لتكون مفتاحا لوضع تصور منطقي للمطلوب من هذه الشركه في ظل اقرار قانون جديد للطاقه سيضع هذه الشركه عرضة للهجوم من الشركات العالميه في عقر دارها ولن تحميها الدوله اذا كانت حمايته غير مجديه اقتصاديا للاردن لأن هذا هو المهم في النهايه.
لذا فمن المنطقي ان يقوم مجلس ادارتها والاداره فيها باعادة النظر في اساليب عملها واهدافها اخذين بعين الاعتبار ظروف الشركه والاحتياجات الوطنيه والوضع العالمي لأان الشركه تتحرك في تقاطع هذه الدوائر الثلاث. ولما كنت ادّعي بمقدرة على تصوّر قريب لهذه الظروف فأن المطلوب من الشركه لا يمكن ان يكون اقل من ان تسعى لرفع انتاج حقل غاز الريشه الى 40 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا وأن تعمل على الحصول على وسائل دخل اظافيه منفرده او بمساعدة الشريك الاستراتيجي لتتمكن من استخدام مواردها وأمكانياتها الفنيه والماليه لتشكل ذراعا أردنيا للتنقيب عن النفط والغاز خارج الاردن. ولا انسى هنا امكانية ان تبدأ الشركه بدخول السوق المحلى لخدمات حفر واختبار وصيانة أبار المياه وكذلك صيانه وتصنيع بعض المعدات المستخدمه بالحفر.
ولما كانت بداية الطريق والنهايه المطلوبه واضحه ولم جاء قانون الطاقه الجديد ليحدد الامكانيات المتاحه فلا بد أن نجلس ونتدارس ومن ثم نخطط وننفد أخذين قصص النجاح التي سبقتنا في هذا المجال واحتياجات التنميه المتزايده لدينا حافزا للسير للأمام ومن يرى ذلك مستحيلا فليبتعد فهناك من يراه ممكنا.
المهندس مبارك محمد الطهراوي
حاسي مسعود- الجزائر
No comments:
Post a Comment
will be happy ot hear your thoughts and comments on my Blog