اذكر انه وفي عام 1992 وفي احدى زيارات التعاون الفني مع الجانب العراقي في مجال التنقيب عن البترول كنت استقل السيارة برفقة دكتور جيولوجيا عراقي, وكنا متجهين من كركوك باتجاه الموصل, وكنا نتحدث عن حقل يسمى حقل باي حسن النفطي. وهدا الحقل يقع بين كركوك والموصل ويبلغ طوله حوالي 30 كم وعرضه حوالي 5 كم. كان هدا الحقل يمثل حلما بعيد المنال لي كأردني, لحجمه وسهولة استخراج النفط منه, حيث لا يستغرق حفر البئر الواحد اكثر من اسبوعين وينتج البئر الواحد ما بين 35 ألف الى 50 الف برميل نفط يوميا. أي وبحساباتي البسيطه يومها ففـد كنت احلم ببئرين اثنين فقط من ابار باي حسن للأردن وكانت هده البئرين ستغيير تاريخ ومستقبل الاردن وحياة مواطنيه واستقلال قراره السياسي. لأن ذلك كان سيسد احتياجات الاردن النفطيه والتي كانت تبلغ أنذاك حوالي 70 الف برميل نفط يوميا, كانت ولا زالت تمثل اكبر عبء على الموازنه وأكبر عقبه امام التنميه.
ولكن لنخرج من الاحلام ونعود للواقعه, فقد التفت الدكتور عبر نافذة السياره وقال: اتعلم يا أستاذ مبارك ان كل المسافه التي قطعناها يمنة ويسرى تمثل جزا من الحقل ويمكنك ان تضع حفاره في أي موقع وستجد النفط. فقلت له هذه نعمه تستحق المحافظه, فأردف قائلا: اتعلم أننا في العراق لم نحفر بئرا استكشافيا واحدا منذ خمسة عشر عاما.وأن كل الحقول المستغله هي حقول اكتشفت ايام الأنجليز وباستغدام التكنولوجيات القديمه. فسألته: وأين تعتقد ان الاستكشاف سيوصلكم, فقال: نستطيع بسهوله الوصول الى انتاج 10 مليون برميل نفط يوميا. واشعر ان القياده بدأت بالعمل على ذلك وهذا ما انتج حرب الكويت. قلت له, لم افهمك, فقال: انت تعرف ان دولا عربيه حاولت ضرب العراق بزيادة انتاج النفط وتحطيم اسعاره في السوق للحد من امكانية العراق لأعادة تعمير ما دمرته الحرب الايرانيه. وقد فكرت القياده بالرد بنفس الاسلوب, اي باغراق السوق وعلي وعلى أعدائي ويبدو ان الامريكان ما يريدون ذلك لأن شركاتهم واقتصادهم هم سيتأثر بصوره مدمره.
لم يغب هذا الحديث عن بالي طول هذه السنين. والقريبين من حولي يعرفون أنني كنت دائما على قناعه بأنه كان على امريكا وبكل قوتها ليس فقط, ان تمنع حدوث ذلك, بل وأن لا تترك أملا لأن يأتي ايا كان في المستقبل ويفكر بذلك. لأن هذا هو المقتل الحقيقي للقوه الأمريكيه. ولأنها تعرف كل الحقائق وليس بعضها عن امكانيات العراق النفطيه.
هدا الحديث يأخدني فورا الى حديث أخر, وهذه المره كان مع الجانب الاخر, ألامريكي.
فقد عينت في عام 2000 مديرا لفرع أحدى الشركات الامريكيه الكبرى في ليبيا.وكانت ليبيا يومها موضوعه على قائمة الدول الراعيه للأرهاب والمقاطعه أمريكيا. وكان فرع الشركه في ليبيا مسجل ولا زال كفرع لشركه ألمانيه. فهم يعرفون كيف يقاطعون ولا يقطعون. المهم, أن رئيس مجلس ادارة الشركه في هيوستن رغب بمقابلتي والحديث معي. فقابلته في دولة عربية اخري يستطيع زيارتها بلا قيود. وعندما عررفوه بي, ترك الجميع وأخذني الى مكان كنا فيه لوحدنا.
قال لى: مبارك, اريدك ان تنضر للصوره العالميه وتفهم ماذا يدور في العالم قبل ان تبدأ عملك في ليبيا.وأردف كما تعلم فأن التكنولوجيا في مجال الاستكشاف والتنقيب عن البترول قد وصلت الى حدود متطوره للغايه. ولا يوجد حقل لا تستطيع التكنولوجيا اكتشافه.وتعلم أيضا أن معظم دول العالم قد استخدمت هذه التقنيات الحديثه, وأدخلت الشركات العالميه في جهودها الاستكشافيه والانتاجيه. ولم يبقى في العام امكانيه لاكتشاف حقول عملاقه قد تؤثر على السوق النفطي العالمي والاحتياطيات النفطيه, ما عدا ثلاثة مناطق لم تفعل ذلك. وهي دول الاتحاد السوفيتي السابقه والعراق وليبيا والسودان في افريقيا. ثم اكمل: وكما تري فالمستقبل النفطي يكمن في هذه الدول بشكل رثيسي وفي ثطوير وساثل جديده لزياده نسبة النفط المستخرج من الحقول القديمه. وهذه لا زالت بحاجه لتطوير اكثر ومكلفه للغايه.واذا عدنا الى الدول الواعده { وهذا ما زال حديث الامريكي} فأنك في بلد نأمل منه الكثير. لان الضروف الغير مستقره لا تشجع على الاستثمار في دول بحر قزوين وباقي دول الاتحاد السوفيتي السابق لانعدام الاستقرار.
فقلت له, وماذا عن العراق. فأجاب: عندما ندخل العراق لن نحتاج لاي أحد غيره.انتهى الحديث.
لقد اردت استرجاع هاتين الحادثتين كمدخل لحديثي عن ثروة العراق النفطيه, فالكل يعلم أن لدى العراق ثروه نفطيه, ولكن هل نعرف حجمها؟. هذا ما اود استعراضه هنا لعل فيه فائده للمحلل والمخطط والذي يريد ان يفهم لماذا تدفع امريكيا اكثر من 4000 قتيل والبليارات من الدولارات في هذه الحرب.
فمنذ العام 1923 عندما اكتشف النفط في العراق لاول مره زاد الاهتمام الاستعماري بهذا البلد. وقد توالت الاكتشافات بواسطة البريطانين حتى عام 1960 عندما سن العراق قانون النفط رقم 80 والذي امـم بموجبه الشركات النفطيه وأعاد السيطره على ثروة العراق ووضعها بأيدي العراقيين. خلال هذه السنوات كان قد تم اكتشاف حقول عملاقه في العراق مثل حقل الرميله والزبير وغيرها.
وهنا لا بد أن نذكر بالفضل لصاحب الفضل, الحكومه العراقيه والتي حافضت على هذه الثروه من الاستخراج الجائر كما حدث ويحدث في دول عربية أخرى, وكذلك اسست لصناعة نفطيه عربيه وتصنيع نفطي بأيدي عراقيه يعز نضيره في وطننا العربي. ومع ذلك تجد البعض من المهتمين بالشأن النفطي العراقي من الاخوه العراقيين بنسون ذلك ويلومون النظام السابق لانه لم يفتح المجال للشركات العالميه لاستغلال وتطوير هذه الحقول.
ولكن لنعود للحقائق, فالدراسات الامريكيه للأحتياطي الامريكي تفيد بأن احتياطيات امريكا النفطيه تقدر ب 29.4 بليون برميل. وفي حالة ثبوت الاستهلاك بمستوياته الحاليه فأن هذا المخزون سينضب خلال عشرة اعوام. وفي بحر الشمال فأن الدراسات تقدر الاحتياطي النفطي البريطاني ب 4.5 بليون برميل. أي ما يكفي ل عشرة اعوام.
واذا عدنا للدول العربيه النفطيه.فأن السعوديه والامارات والكويت مجتمعه تحتوي على احتياط نفطي يقدر ب 47.5 بليون برميل. وهي بحاجه لاكتشافات جديده للمحافظه على المستويات الحاليه للأنتاج واحتياجات السوق الذي يتوقع لها ان تصل الى 82 مليون برميل يوميا. هذا مع الحاجه للمحافظه على ما يسمى بالاحتياطي الاستراتيجي العالمي والبالغ 1.189 تريليون برميل وهذا الرقم يعتبر الخط الاحمر للاحتياطي النفطي العالمي. اذا فأنه لا بد من ايجاد داعم حقيقي للاحتياطي النفطي العالمي وهذا الداعم الوحيد الممكن هو وبكل بساطة ووضوح العرق بشكل رئيسي بالاضافة لليبيا والسودان.وليس كما يقول الخبير النفطي العراقي,الدكتورحسين الربيعي, العراق فقط. علما أن اختلافي هذا معه لا يقلل من اهمية العراق ولكن يعطي صورة أوضح لأسباب ومحركات السياسة الامريكية في المنطقه.بالاضافة للفروق الكبيره في حجم الاحتياطي المثبت والمحتمل والممكن بين العراق وليبيا والسودان.
وهنا لا بد من توضيح الفرق بين هذه الانواع المذكوره اعلاه من الاحتياطيات النفطيه. فالاحتياط المثبت هو الاحتياط الذي تم تأكيده بالحفر والانتاج والحسابات المؤكده.اما الانتاج الممكن فهو الانتاج من حقول مكتشفه ولكن تأكيده اقل ثبوتا من الاحتياط المثبت, أما المحتمل فهو ايضا اقل درجة من الممكن.
ولنعود للعراق, فالعراق يحتوي على ما يزيد عن اربعة ملايين كيلومتر مربع من الصخور الرسوبيه المكونه لحوض الشرق الاوسط النفطي. أي أن ثلثي هذا الحوض يقع داخل الاراضي العراقيه.وهذه طبقات سميكه من الصخور الحاويه للنفط والذي ينتج من بعض اجزائها وتكاليف الانتاج منها قليله للغايه نسبة الى تكاليف الانتاج العالميه. ويزيد من اهميتها انها تحتوي على اكثر من طبقه حاويه للنفط, حيث انها في بعض المناطق تحتوي على خمسه الى ستة طبقات نفطيه يصل سمك بعضها الى 300 متر وتصل نفاذيتها الى حوالي 3500 ميللى دارسي. وتحتوي هذه المناطق على اكثر من 500 تركيب جيولوجي, كل تركيب منها عبارة عن حقل منفصل. وقد تم لغاية الان الحفر في 124 تركيب فقط من هذه التراكيب الجيولوجيه, اكتشف النفط والغاز في 64 حقل منها ولم يتم تطوير سوى 23 حقل والباقي ينتظر التطوير والانتاج. هذا ما سيكون له أثر واضح على رفع الاحتياطي العالمي وسد العجز المحتمل في تلبية طلب السوق النفطي للسنوات القادمه. ومما يثير الاهتمام أن نسبة نجاح الاستكشاف هنا تصل الى خمسه مستون بالمئه بينما ان النسبه المقبوله عالميا لنجاح الاسنكشاف لا تتجاوز العشره بالمئه. وتكلفة انتاج البرميل لا تتجاوز ال50 سنتا امريكيا.
ومن هذه الحقول التي لم يتم تطويرها بعد 41 حقل نفطي, منها حقول عملاقه مثل حقل مجنون ونهر عمر والحلفيه والقرنه الغربيه وهذه الحقول لوحدها ستصل بانتاج العراق الى الستة ملايين برميل نفط يوميا.
وتجدر الاشارة هنا ان العراق وقع مع الاردن اتفاقيه مشاركه لتطوير احد هذه الحقول, ولكن الضروف السائده أنذاك لم تسمح بتنفيذ هذه الاتفاقيه لالتزام الاردن يقرارات المقاطعه الصادره من الامم المتحده حينذاك.
بالاضافة لذلك تأتي الصحراء الغربيه.والتي كان قد تم تقييم احتياطياتها بالوسائل التقليديه
الى ان ادخلت شركة هاليبورتون الذائعة الصيت برنامجها المتطور والمسمى لاند مارك والذي كشف عن تراكيب جيولوجيه واعده واحتياطات نفطيه قد تصل الى مئة بليون برميل, اي اكثر من احتياطي امريكا واوروبا ودول الخليج مجتمعه. وادا كنت ما زلت لم تضع يديك على رأسك كيما يطير عقلك فـانني ازيدك من الشعر بيتا بأن كل هذه الارقام السابقه لا تشمل الاحتياطيات النفطيه العراقيه من صخور العصر الجيولوجي الجوراسي.
وهذه التراكيب الجيولوجيه الواقعه في شمال شرق وجنوب غرب العراق تضم ايضا حقولا عملاقه. وهي تقع على اعماق كبيره وتمتاز بدرجات حراره وضغط عاليه. ولكن التكنولوجيا المتوفره حاليا تجعل من استخراج النفط منها ممكنا.حيث تقدر احتياطات النفط فيها بين خمسه الى عشره تريليون برميل. نعم لست خاطئا.. تريليون.
واذا اعتبرنا ان كمية النفط الغير قابله للاستخراج منها تتراوح بين تريليون وتريلونين وأن وعامل الانتاج يصل فقط الى خمسه وعشرون بالمئه, فأن النفط القابل للانتاج من هذه الصخور يصل الى 50 – 100 بليون برميل نفط.
وبعد هذه الجوله في الارقام والاحتياطيات والامكانيات النفطيه العراقيه, يمكننا ان نصل الى ان العراق يحتوي على 110 بليون برميل احتياطي مثبت من النفط بالاضافة الى17.64 بليون برميل مكتشف وغير مطور و22 بليون برميل ممكن, وأخيرا 175 بليون برميل احتياطي محتمل مما يجعل المجموع يصل الى 324 بليون برميل. ولتبسيط الحساب, فأن لدى العراق امكانية أن ينتج ما يصل الى عشرة ملايين برميل نفط يوميا ولمدة قد تصل الى 950 ســـــنه.
ولا بد قبل ان اختم مقالي هذا أن اثبت حقيقة غير قابلة للنقاش وهي ان العراق حافض على ثروته النفطيه لغاية الان ولم يستغلها بشراهه ولم يمكن شركات النهب العالمي من استغلالها كما فعل ويفعل الاخرون, مما ابقاها ذخرا للاجيال العراقيه الحاليه والقادمه الا اذا سارع المتنفذون اليوم بتوزيعها على شركات امريكيه وبريطانيا كما يبشرنا بذلك قانون النفط الحالى والذي ثار حوله الجدل. ولكن يبدو اننا واصلون لهذه النتيجه لا محاله فالعديد من هذه الدول تحفر ابارا في طبقات ملحيه في بلادهم ومن ثم يجوفون هذه الابار بقوه الماء لتصبح مثل بالونات ضخمه تحت الارص استعدادا لتخزين نفط العراق وغيره فيه, والله وحده يعلم هل ستتمكن الاجيال العربيه القادمه من الاعتراض على الاسعار التي سيبيعونهم بها هذا النفط لاحقا.
مبارك الطهراوي
No comments:
Post a Comment
will be happy ot hear your thoughts and comments on my Blog